الأحد، 21 يناير 2018

خاطرة في الهلوسة البصرية كآلية لانتاج اللوحات


في حوار مع الفنان الانكليزي الشهير فرانسيس بيكون مع دافيد سلفستر نقرأ مايلي :
فرانسيس بيكون : هل تعرف الصليب الرائع (صليب سيمابو) ؟
مرارا فكرت به باعتباره مشروع صورة - إنه أشبه بدودة ، تنزلق من الصليب.
دافيد سلفستر : هذا هو واحد من العديد من اللوحات التي تعتمد عليها في إنتاج أعمالك
فرانسيس بيكون : نعم ، هذه اللوحات تقودني الى إنتاج لوحات أخرى تصبح بالنسبة لها كمرجعيات اعتمد عليها
وبطبيعة الحال ، آمل دائما أن أعطي لهذه اللوحات معنى جديد
هذا مقطع من حوار ترجمته عن اللغة البولندية من كتاب مهم جدا بعنوان ( حوارات مع فرانسيس بيكون)
من المهم هنا الانتباه الى وجود مصطلح ( الهلوسة البصرية ) الذي نحته السورياليون في آلية إنتاج الكثير من أعمالهم .
لقد مارس بيكون هذا النوع من الهلوسة مع صورة الصليب الذي ذكره في حديثه ، وقدم للعالم أعمال نادرة في جمالها وقوة تعبيرها الأخاذ.
الصور المرفقة : صليب سيمابو
 cimabue crucifix واللوحة التي استخدمت صورة هذا الصليب كمرجعية .



 صورة 


سرير للحب
ينبت فيه الزهر والعشب
فيه من الرطوبة ما لا حد له
برغبة كاملة ، استوطنته الحلزونات
و تناسلت دون توقف
ثم تكاثرت بشكل عجيب
حتى ملأت فضاء الغرفة الكريستالية بوجودها الطاغي

العمل المرفق : تخطيط قديم بقلم الرصاص ، يعود الى ايام دراستي في معهد الفنون الجميلة في سنة ٧٩ ، وكنت متأثرا جدا بكتابات فرانس كافكا وخصوصا اقصوصة التحول ورواية القصر والمحاكمة اضافة الى تجارب الرسم السوريالي وتبدو في الصورة معالم المناخ الكافكوي في اقصوصته المعنونة بالتحول او المسخ ، حاولت في النص اعلاه ان استعيد روح المشهد الكافكوي ولكن بصيغتي الشخصية .

وماذا بعد موتي ؟


سؤال نمطي يدور في خلد العديد من الناس
لكن الفنانين ، وبالأخص كبار السن منهم
يعتريهم في الغالب هاجس القلق والحزن بسبب ما يمكن أن يؤول إليه مصير أعمالهم الفنية بعد موتهم .
حيث منجزهم الابداعي يشكل جزءا من كينونتهم ( المركزة )
فنحن معشر الفنانين لسنا شيئا يذكر بدون هذه الكينونة
نحن لا شيء بدون آثار
لا نريد لكينونتنا أن تكون عابرة
ولا أن تمر دون أن يهتز العالم ولو حتى قليلا بوجودها
نريد لها أن تكون رجعا دائما في وادٍ
هو الوادي السحيق بين الحياة والموت .

الرسم كطرس 


 اي مايشبه الكتابة على كتابة سابقة ، هذا العمل المرفق يعتمد هذه الالية ولكن بصيغة صورية وليس كتابية ، حيث المفردات الصورية هي كالكلمات ، تتقاطع او تمحو بعضها بعضا ، جزئيا او كليا ، اسم العمل المرفق هو : الخيميائي ، بتقنية الاكريلك على قماش ، القياس مترين في مترين ونصف ، مجموعة خاصة ، عمان


خاطرة في آلس وبلاد العجائب والرسام 


الرسام يشبه آلس ، الطفلة التي دخلت في حفرة حفرها ارنب وعاشت عالما كله خيال ، عالم يتعارض مع الواقع الفيزيقي الذي نعيشه ، انها قصة آلس في بلاد العجائب ، خير مثال لما نفعل ، تعملقت مرة وتقزمت في مرة اخرى ... ونحن نرسم ، نتحول الى آلس ، نحن في بلاد العجائب بعيدين عن نكد الوجود والمه ، انها نعمة الرسم العظيمة ، بلسم جروحنا وملاذنا الامن بعيدا عن عذابات هذا الوجود .

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017




نص الفنانة المعمارية والكاتبة تغريد هاشم المنشور في صحيفة ايلاف الالكترونية ، حول معرضي المقام في غالري كريم بعمان والمعنون ب ( مصغرات ) بتاريخ ٨ /٧ /٢٠١٧


هكذا تكلم عمار داود

بقلم تغريد هاشم


يعرض الفنان عمار داود في غالري كريم أساليبا متنوعة تعود لأربعة عقود مضت ، تتميز هذه الأعمال المعروضة حاليا بصغر أحجامها ، وهذه الأعمال هي حصيلة تجربته الحياتية في الوطن الام ( العراق ) الذي غادره في بداية الثمانينيّات وايضا بولندا التي درس فيها الفن ومن ثم استقراره في السويد .
يقدم لنا الفنان في هذا المعرض خمس مراحل مهمة ، بدأت بالرجوع أسلوبيا الى المرحلة الكرافيكية ثم الانتقال الى المرحلة التجريدية ومن ثم تصوير الطبيعة بأسلوب إيحائي ، أتبعه ببحث في شخصية المتصوف الهائم ، وأخيرا تعرض الى الحرب والجنس والسحر.
لقد تم نضج عمل الفنان الكرافيكي في بداية الثمانينيات وأنتهى منه في نهاية التسعينات . كانت أعماله في تلك المرحلة تتميز بالاختزال الشديد وشح المفردات التي اعتمدت اللونين الأسود والأبيض ، حيث أنجز الأصول الطباعية بأدوات دقيقة جدا تشبه أدوات الصاغة ، فقد غلبت على هذه الأعمال شخوص إنسانية تعاني من العزلة داخل فضاءات سوداء كما لو كانت صورا سالبة ( نكتف ) تعتمد كليا على قدرة العقل التخيلية على ترجمة المشهد . وهذا الجزء السالب لايقل اهمية عن الفضاء او الشكل الموجب الذي بامكاننا تعريفه بانه كل ما كان له شكل ذو حدود معينة . لدينا أيضاً تلك اللغة المحيرة التي طرحها عمار بين الفضاء من ناحية والشكل الموجب والشكل السالب من ناحية أخرى واستهدافه اثارة الإدراك الحسي لدى المشاهد للعلاقة بينهما ، حيث يتجلى هذا الاسلوب في العديد من أعماله المعروضة حاليا . وتجدر الإشارة هنا الى ان هذه الأعمال المعروضة اتكأت على تجربته مابين أعوام الثمانينيّات والتسعينيات



سيرى المشاهد لهذه الأعمال تموضع الاشكال المختلف من حيث الحجم واللون الممتليء حساسية وجاذبية ، اضافة الى التناقض والانسجام ، والذي يتضمن الكثير من الاوهام المقصودة والتي لاتتطابق غالبا مع الواقع الفيزيقي في عمله الفني ، فهي في حقيقتها نتاج تجميع معلومات في الذاكرة يتم تكريسها فيما بعد . وقد استمر عمار في ممارسة هذا الاسلوب حتى في المرحلة التجريدية ، فلم تكن تلك المرحلة تجريدا خالصا وانما كانت ولا تزال تحيل الى مفردات يمكن قراءة محمولاتها ، وإحالتها الى المصدر . انها محاولة لفهم وتصوير الواقع عن طريق ادراكه وإحالته للمتلقي بصور جديدة ، فهي بمثابة حوار بين عمار والمتلقي لفهم الواقع بطرق مختلفة . ويتجلى هذا الحوار المشترك بين الفنان والمتلقي في التقاط هذا الكم الهائل من الاشكال المتناقضة والخطوط المختلفة التي تمت اعادة صياغتها كاعمال فنية تجريدية



الطبيعة ذات دلالة ايمائية وايحائية


تدرك الطبيعة ذات الدلالة الايمائية والايحائية من قبل المتلقي في اعمال عمار داود بهيئاتها الحقيقية او بشكل متوهم بسبب اعتماد المتلقي على شعوره الاني حين يشاهد اللوحة . ان صور عمار داود ذات المرجعية الطبيعية تعتمد ( الرمز ) والذي يدرك كرمز بالرغم من شعورنا الملتبس تجاهها .
انني ارى ان عمارا كان يبحث عن حلول وليس حلا واحدا في عرض وانجاز موضوعه . فاذا ما تجردنا من شعورنا بالطبيعة الحقيقية او نسينا ما تحمله الذاكرة من صور نمطية ، تتحول عملية الادراك هذه الى أنماط مختلفة فيما بيننا ، فنحن ازاء عملية شخصية وخاصة جدا ، تغوص بحثا في صندوق التجارب المخفية والمخزون اللاواعي . وهكذا يحصل الرسام على اعداد لاتحصى من اجوبة المتلقي للاسئلة المحيرة التي طرحها في عمله الفني . لا توجد هوية واضحة ولامنظور فيزيقي لفضاءات الاماكن في اعمال عمار داود وانما هي محصلة خزين الذاكرة والمخيلة المحفَّزة لانتاج مكان سري ، سحري او لامعقول . لا مكان للذكريات في موضوعات عمار داود ولا انتماء الى طبيعة معينة بالشكل النوستالجي الاكتئابي وربما كان هذا بسبب تاثير تفعيل نشاط مخيلته في اضافة سحر وجمال لأماكن الازمنة البعيدة او المجهولة الهوية




المتصوف الهائم


من جديد يوقظ فينا عمار داود شعورا برموز لشخصيات هائمة دونتها حضارتنا الانسانية ، وقد تمت استعارة شخصيات للكثير من الهائمين في اساطير الشعوب . ومن غوتة الهائم الى ارثور رامبو مرورا بابن بطوطة ومولانا الرومي والحلاج في الحضارة الاسلامية ، وتميزت كل هذه الشخصيات برحلاتها وهيمانها على الارض بحثا عن معنى وان اختلفت الطرق والمعاني . فالهائم في اعمال عمار داود هو الانسان المتجول في عوالم الفنان . فلايمكن تجريد روح العمل الفني عن روح عمار ولايمكن قراءتها بعيدا عن قراءته من الداخل ، فهي مرآة لما كان يجول في وعي عمار ومن ثم مخيلته ، انها بمثابة حصيلة تجارب وأزمان واماكن مختلفة .
تذكرنا احدى لوحات عمار والتي تضمنت شخصا يجلس في طبيعة ذات دلالة ايمائية ايحائية غير واضحة الهوية ، تذكرنا بالشخصية الهائمة الزاهدة وبالتحديد في معرضه الذي كان بعنوان الحلاج وطواسينه والذي اقيم في دبي- غالري ميم عام ٢٠١١ ، حيث زحمة السرد بالرموز والخطوط المتشابكة وتراكم او تقاطع المفردات ، ربما اراد داود ان يهمس لنا بحال الحلاج الذي باح بالكثير من الشطحات الملتبسة التي ادت به الى اعدامه




ثمة لوحة في معرض عمار لرجل متامل وهي لاتخبرنا كثيرا عن حاله الا اننا ندرك مايريد قوله رغم شح اللون والرموز من خلال فهمنا لشخصية عمار المغترب الذي انتقل من وطنه الام ليستقر في عدة مدن اوربية مثقلا بهم وجوده وعذابات ترحاله . ربما يذكرنا هذا الاسلوب ببيان مارك روثكو وزميله الرسام ادولف كوتلب الذي نص على التعبير البسيط عن الفكرة المعقدة ، فالرجل في اللوحة هذه هو الاقرب الى بوذا منه الى الحلاج ، فهو الامير الذي ترك الرفاهية والملك ليبحث عن حل لمشاكل الانسان ورؤية المستقبل والماضي معا وربما حتى سماع غير المنطوق من مسافات بعيدة ، العمل الفني هذا بمثابة تعبير اخر للرصد والتسجيل واستخدام كل الادوات المتاحة ابتداء من الاحاسيس الشخصية وانتهاء بكل مايحيط به من ادوات في الطبيعة المحيطة للوصول الى اعلى مستوى من الوعي الداخلي ، فعمار يصور المتاهة الداخلية في البحث عن الاجوبة لاسئلته التي تدور حول هذا الكون بعظمته وفراغه وعبثيته واللاجدوى في وجوده فهذا الكائن الجالس بهدوء في الطبيعة ، مع قليل من الالوان المتداخلة والمتجانسة معا يسجل لنا بيانا شخصيا بعيدا عن الملتبس في الفلسفات الدينية والوجودية وغيرها



الحرب الجنس والسحر


على الرغم من ان عمار داود لم يتعايش بشكل مباشر ولمدة طويلة مع أحداث المنطقة العربية ، لكن جزء من نتاجه الفني في معرضه الأخير يشير الى التأثر بما يدور من أحداث فيها وفي وطنه الأم على حد سواء .
وبخصوص ما يبثه العمل الفني تحت تأثير المعاناة بسبب الحروب او العمل الفني كنتاج حروب بشرية دامية ، يقول عمار: يتماهى ذلك مع الأهداف البدائية الأولى للطبيعة والنفس البشرية وما أفرزته فيما بعد من فلسفة القوة والسيطرة واستخدام الجنس وهي عناصر يتم نقلها بطرائق مختلفة ، فاحيانا نجد صورا فيها مأساة إنسانية على الصعيد الفردي او الجماعي . انه بهذه المفردات الثلاث ( الحرب والجنس والسحر ) يبدأ تاريخ البشرية ، والبقاء للاقوى ، اي لمن ينتسب الى القوة المتاحة في هذه العناصر ، فلتعلن الحرب اذن لبسط السيطرة ، لنستخدم كل الاسلحة المتاحة للفوز سواء كانت حقيقية ام مجازية . لنبدأ باستخدام النفس البشرية ، الطبيعة ، الوعي واللاوعي ثم اعادة تقييم الذات والقوة الكامنة واللامرئية منها. في احدى اللوحات نجد شخصين احدهم يعتلي الاخر وهو الاصغر حجما، يتفوق فيه الاكبر حجما والذي يتماهى في الانسان الاضعف وكانه يقول كما قال ( نيتشة ) : "اذا لم استطع تعليمك الطيران فدعني اعلمك السقوط" . لايمكنك البقاء على الارض تائها باحثا عن الاسمى والارقى والانقى ، ولايمكنك العيش كصعلوك باحثا عن الحكمة ، فكل هذه المعاني تلاشت في مفردة واحدة وهي القوة ، اما البقاء في الفردوس فهو للاقوى "للاُنسان الاعلى" المتفوق الذي يستحق الاستمرار .انه اعلان صريح بان هذه الارض لاتحتمل وجود الضعفاء ، يتم اختراع اعداء وهميين وزج الخصوم في معارك دامية ، استباحة الدماء والاوطان ، التجويع والابتزاز والسبي والتهجير... وكأن عمار يقول : لامفر فالعالم يخوض معركة شرسة يستخدم فيها المتصارعون كل انواع الاسلحة لجر خصمهم الى الخسارة الاكبر ، لكنه يعود ليؤكد لنا ان ليس هناك خاسر او رابح في مثل هذه المعارك من خلال تداخل الاشكال والرموز في اعماله والتي صار من الصعب جر خط فاصل لمعرفة حقيقتها او حدودها ، ذوبانها وتلاشيها في بعضها افقدنا تقرير ماهيتها ومصيرها.. الحرب التي خسر داود وطنه بسببها عادت من جديد لتؤكد حضورها بعد ان غابت فترة ليست بالقصيرة عن اعماله الفنية ، في لوحة اخرى نجد شخص يمارس طقوس السحر وبتركيز كل عناصر اللوحة على هذا المعنى حقق عمار داود ماقاله سي هاريسون كون في كتابه (الفنون السوداء للخلود) ان طرق ممارسة هذه الطقوس هي اشبه ماتكون بممارسة الطقوس العسكرية او الجنسية فعليك تركيز كل حواسك لتحقيق ارادتك والوصول الى هدفك المنشود. وما صناعة العمل الفني الا احدى هذه الطقوس وفي رأيي ، فان السحر الذي تعاملت معه البشرية على مر التاريخ الى مطلع عصر النهضة واستبدال العلم به ، لم يمنع هذا كما يقول الكاتب دودلي يانك ( مؤلف كتاب اصول المقدس- نشوات الحب والحرب).. ان مرورك في اللامرئي لاياتي الا عن طريق السحر




الطبيعة البشرية التي سعت الى تفسير المجهول والظواهر الطبيعية عن طريق الميثولوجيا لم تخرج بعيدا في تأكيد الكثير من الظواهر علميا او نفيها. انها فلسفة قراءة الكون والاجابة على الاسئلة المحيرة للمفكرين والفلاسفة العرب منهم والغربيين . يقول اليستر كرولي الكاتب المتصوف والشاعر الانكليزي ومؤسس ديانة الثيلما : ان بامكاننا تعريف فن السحر بانه حالة خلق للتغيير الذي يحدث بالتوافق مع الارادة ، وهو بدوره ايضا يقوم بادخالنا الى عالم الماورائيات ، عالمنا الموضوعي واستخدام القوة في فرض الارادة . وهي ما ترك اثاره في لوحات عمار داود ، فلا طيارات ولابقايا جثث متناثرة كما صورها بعض الفنانين بطريقة المباشرة في اللوحة الكولاجية الاعلانية ، فنحن لانرى حقائب سفر ولا سفن معبأة بالمهاجرين الغير شرعيين . نحن نرى رموز تحاكي فلسفة الحرب والطبيعة البدائية للانسان ، لا احد يعلم ان كان عمار سيتابع انجاز مثل هذه الاعمال في قادم الايام ام انه سيكتفي بوضع حد لهذه المرحلة في منجزه وضمن هاجسه الحالي ثم يغادرها الى دون عودة ، لكن من المؤكد ان مايجري اليوم في العالم كان قد تمثل في جزء لا يستهان به من مجموعة لوحات هذا المعرض . انها نموذج اخر للاعمال الفنية السوداء الصارخة نتيجة الظروف السياسية للمنطقة ، اعمال لم تكن لتحمل اسم او مرحلة الا انها كما هو واضح تمثل المعاناة الحالية والحقيقية للفنان
ستوكهولم
 ٢٠١٧
رابط الى مصدر النص ( صحيفة ايلاف )  
http://elaph.com/Web/Culture/2017/8/1160643.html

الجمعة، 29 أبريل 2016

الحلاج وطواسينه

عمار داود

 

تم نشر هذا النص في الكتاب الصادر بمناسبة معرضي الشخصي في غالري ميم بدبي عام ٢٠١٣ والمعنون : الحلاج وطواسينه

لماذا الحلاج وطواسينه محورا لهذا المعرض؟

ألانه رفيق فترة فتوتي الثقافية في بغداد ؟
ام لتعاظم منزلته في نفسي بعد ما سمعته ووعيته في سنوات نشأتي الأولى في عراق السبعينات حيث تشكلت أولى ملامح  رؤاي الثقافية التي امتدت مابين فضاءات الفكر الغربي وما يقابله من فكر محلي كنا نستقيه من صوفيي بغداد  وأدباءها ؟ ففي ذلك الزمان حيث تجاذبت جهات عديدة  أطراف معركة فكرية لم يكن ليهمها دائما مصير العراق الثقافي والحضاري بقدر اهتمامها باعتلاء كرسي الحكم ليس إلا ، كنت أجد أن على المثقف العراقي أن يعتني  بذلك النسغ الحضاري الكامن في وجدانه ويحافظ عليه في خضم عالم تعددت فيه أشكال الثقافات وتصارعت.

 يقول الحلاج:
"حجبهم بالاسم فعاشوا , ولو ابرز لهم علوم القدرة لطاشوا , ولو كشف لهم عن الحقيقة لماتوا "
وهو النص الأول الذي سمعته للحلاج ، كان ذلك حين كنت طالبا في معهد الفنون الجميلة ببغداد أثناء درس تاريخ الفن الذي كان  الفنان المرحوم شاكر حسن آل سعيد يلقيه علينا فقرأه معتمدا عليه لدعم رؤيته في موضوع تمرحل الوعي الفني المعاصر:
مرحلة مطابقة الطبيعة ( المحجوبية بالاسم ) ,
مرحلة التعبير عن فعالية الفكر في الواقع ( الإمساك بناصية علوم القدرة ),
وأخيرا، مرحلة الفناء في العالم ( كشف الحقيقة )
أتساءل،  ما الذي يجمعني بالحلاج ؟ وهو السؤال الأصعب - إن أردت أن أجيب عليه عقليا - أليس هو الرغبة الملازمة لنا نحن معشر الرسامين في محاولة عبور الذات وتخطيها أو حتى نفيها من اجل التوجه بالكامل نحو العالم ؟ هناك ، إلى حيث يعلن الله عن وجوده بإشارات طيرت عقول الكثيرين من المتصوفة بمن فيهم الحلاج ذاته ؟

" بيني وبينك إني ينازعني   فأرفع بانيك إني من البين "

كتاب أخبار الحلاج ، الصفحة 15 ، ابن الساعي

فالحلاج أحس بالذات الإلهية ( عرفانيا ) وراح يناجيها كأنها حاضرة أبدا وفي كل شي ( مبدأ وحدة الوجود ) فليست السماء فقط مكانا لها .
" وأي الأرض تخلو منك حتى   تعالوا يطلبونك في السماء
تراهم ينظرون إليك جهرا      وهم لا يبصرون من العماء "

كان بحث الحلاج كبحث الفنان , منصبا على اجتراح أسبابه في الحياة والخلق ، وهي أسباب وجوده بمعنى آخر ، فما أن تنضج النفس الإنسانية من خلال خبرة العيش في هذا العالم ، حتى تبدأ رحلتها باتجاه فضاء الأسئلة الكبرى: من أنا ؟ ، إلى أين سأذهب ؟ وماذا أفعل هنا ؟
لكنني لست متفقا مع الحلاج في كل ما جاء به من أفكار بقدر اتفاقي مع إشكالية طبيعته الفكرية وهي إشكالية يعاني منها الفنان أيضا  من جهة كونه وجدان يعمل على  توصيل أفكاره ضمن لغة مسموعة أو مكتوبة أو مرئية لا تحضى دائما برضا المجتمع الذي عاصره في زمنه وحتى زمننا الحالي.

كان منطلق الحلاج الرئيس في خطابه الصوفي ، هو أن يجد المرء الله في أعماق نفسه أولا ، وان يذهب في فكرة ( الاستغناء ) إلى ابعد الحدود وهي التي ارتبطت بمنهجه الاختزالي أو ألتقليلي ( رمزية الحج مثالا والتي دفع ثمنها غاليا ،  فقد اعتبرت السلطة الدينية الحلاج زنديقا ، ساحرا ومضللا وخارجا عن الملة مما استلزم القصاص منه لادعائه في إحدى شطحاته بأنه الحق ولاستغنائه عن فريضة الحج واستبداله بحج رمزي ) .

جاء هذا النص  بهذا المعنى في كتاب: (( شخصيات قلقة في الاسلام )) صفحة 76 ، المؤلف: د. عبد الرحمن بدوي

فقد جلد وقطعت أطرافه وعلق على الخشبة والقي برماده من أعلى المئذنة في نهر دجلة 26 مارس عام 922 ميلادية.




لكنني أجد في أسلوبه التوفيقي ( الاكلكتيكي ) وطريقته الكولاجية ( الإلصاقية )  في كتابة نصوصه ( النص أشبه بمعمار توفيقي من حيث الأسلوب والدلالة حيث التوفيق مابين السهل الواضح والغامض القابل للتأويل وأخيرا المبهم العصي على الفهم ) مع تضمينه لرسوم هي جزء من النص ومقاطع قرآنية وشعرية وكلمات غريبة لأسباب قد تكون مرتبطة بالسحر أو بالمناخ الطلسمي ) ، وهو ما يناجي عالمي الفني وطرائقه حيث أحاول التمرد على الأسلوب والشروط الموضوعة لما يسمى برسم نقي . فليس للرسم اليوم أن يعتني بالأسلوب وطريقة العمل ومقوماتهما بقدر اهتمامه بفتح أفق لتأويل عوالمه الشكلية والمضمونية يمتد ويتسع على الدوام . 

كانت شخصية الحلاج الفكرية إشكالية إلى ابعد حد وربما كان السبب الرئيس هو طلب الآخرين لفهمه ولفهم ما يبثه من أفكار وهواجس ( كان الحلاج يستعمل كلمات تتصف بغموض المعنى مما تسبب في عدم فهم الناس له وكان شاعرا بذلك مما كان يزيد من ألمه ) إلا أن هذا الأمر لم يكن ليدفع الحلاج إلى قبول وتبني هندسة نصية للخطاب تلتزم بالمعنى والدلالة الواضحة ، ذلك لأن خطابه مؤسس منذ البداية على منهجية الإقرار بعدم صلاحية العقل لتوصيل معنى العرفان أو معرفة الحق باعتباره الحقيقة المطلقة ، إلا بالإدراك الحدسي الفالت من كل شرط نمطي لحالة الفهم والاستيعاب العقلي .  وقد ازدادت إشكالية هذه الشخصية بسبب وجودها في محيط تتخاصم فيه عدة اتجاهات فكرية عقائدية: رأى السنة فيه مشاغبا شيعيا أما بعض الشيعة فوقفوا ضده بسبب عدم رغبتهم بأن تظهر مدرسة صوفية سنية خالصة .

وشخصيته كما وصفها ودرسها المستشرق الفرنسي المعروف  لويس ماسنيون تظهر لنا انفعالية ومتمردة لا تأبه بالمحرمات والأوامر السلطوية ، فمن جهة الأعراف الصوفية تمرد على معاصريه ، عمليا ، بتخليه عن الخرقة الصوفية.
 ونظريا بتأسيسه لهذا التمرد من خلال ما جاء في كتابه ( الطواسين )
وهو النص المرفق لكراس هذا المعرض.

ومعنى الطواسين كما جاء في هامش هذا الكتاب هو:
طواسين : الطاء يراد بها (طه) ، والسين ( ياسين) والنون نور حقه، أي جعله مصباحا منه للخلق، كي يخرجهم من ظلمة العدم إلى النور.
يتميز نص كتاب الطواسين - مبنى ومعنى - بالتعقيد وكتب في فترات زمنية مختلفة وربما جاء شيء من غموضه بسبب ما اعتراه من تشويه وعدم وضوح في بعض عباراته بسبب النسخ السيئ أو أيدي الدخلاء  فالكتاب يحتوي على عشرة نصوص :
طاسين السراج
طاسين الفهم
طاسين الصفاء
طاسين الدائرة
طاسين النقطة
طاسين الأزل والالتباس
طاسين المشيئة
طاسين التوحيد
طاسين الأسرار في التوحيد و طاسين التنزيه

 
 

إضافة لذلك يحتوي الكتاب على رسومات تخطيطية غريبة وتجريدية جدا وهي أشبه بأسلوب الطلاسم.

أما نص الكتاب فيصب في أربعة محاور هي:
 رؤية صوفية تتضمن الوصول إلى الله عن طريق مقامات ( أكثر من أربعين مقام)
عجز العقل البشري عن إدراك التوحيد والتنزيه الحقيقي
مشكلة الأمر والمشيئة
مشكلة معرفة الحقيقة أو التعرف عليها

ولغة الطواسين ذات صيغ إرسال مختلفة وهي:
صيغة مفهومة لا تحتاج الى تفسير
صيغة غير مباشرة وغامضة لكن قابلة للفهم من خلال التأويل
صيغة مبهمة وملغزة غير قابلة للفهم
وبنية النص اللغوية جاءت بصيغة مركبة هي مزيج من إشارات غامضة مقابل عبارات واضحة وشفرات عصية على الفهم والدلالة وهو ما حاولت أن أجد له مرادفا تقنيا في النص البصري الذي اشتغلت عليه ، ويبث هذا النص محتواه ضمن أفق تفترشه جميع مستويات الإرسال وسبل التلقي حيث يتعمد أن يكون تركيبيا من الناحية الدلالية والبنيوية:
1 -  تلصيق يتعمد تضمين عوالم مشهدية تنتمي الى مناخات متباينة من ناحية الوضوح والغموض بسبب بنية شكلية مندرسة تقنيا او قصديا او بالصدفة وأخرى واضحة ومقروءة بسهولة .
2 - إرسال مضموني واضح وآخر غامض أو حتى مبهم .
3 - تكرار إيقاعي لمفردات شكلية يقابله تقنيا طقس الذكر الصوفي .
4 - استخدام أسلوب المقابلة أو المقاربة مابين عالمين أو أكثر دون إعارة اهتمام إلى درجة توافقهما أو تعارضهما على سطح الصورة .

فكما أن الخطاب الصوفي لا يقول الحقيقة كلها ، بسبب وضعه لها خلف النص أو لانتسابه إلى شفرة تنتمي للغة اضطرار ، يتبناها الصوفي تحرزا من الفهم السيئ أو هربا من عين الرقيب .

 "من لم يقف على إشارتنا لم ترشده عبارتنا" .

أخبار الحلاّج , بتعليق: ل. ماسنيون و ب. كراوس, ص75-76.

  
فهكذا أيضا سيتعمد نصي البصري إلى شيء أشبه بمناجاة الحقيقة ( ليس إلا ) وذلك بسبب عدم التمكن من معرفة كنهها أو وصفها وهي تستمد صيغة ظهورها  كما يشكلها إدراكي الحدسي كالتالي:
سديمية ( عكس الصيغة المتراصة المتماسكة منطقيا )
او ترميزية ( الرمز هنا ليس جمعيا، بل هو وجداني ذاتي ينتج عن خلجات النفس في حوارها مع العالم والآخرين )
 وبهذا ستتقمص هذه الحقيقة الغائبة وصفا والحاضرة كإشارة والطافية على سطح العالم ، ستتقمص طبيعتها المتمنعة العصية المنال مقابل أن تعلن عن ذاتها في كل زمان ومكان ، في شكل إيحاء أو لغة غريبة كونية حيث الجمادات والكائنات الحية : إنسان ، حيوان أو نبات تنطق بها أو خلالها وتعزز وجودها الساحر الأخاذ والنافذ في عمق النفس الإنسانية والى أعمق أعماقها ،  فهي لغة لا زمان لها من حيث البداية والنهاية ففيها يتنافذان ضمن وشائج لا يحكمها أو يفك مغازيها عقل أو إدراك حسي
 " ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه "
فإذا كانت الذات الإلهية تظهر من خلال  لغة مشفرة ؟  تنطقها أشياء هذا العالم
فلابد لها من أن تترك لنا آثارا تشهد لها ، وهو ما يجعلنا نسوح في رحاب هذا العالم مندهشين ومنتشين بمعنى هذه الآثار وفرادة القيم الوجدانية التي نستمدها من هذه السياحة ، وهي قيم جمالية بالمعنى الأرحب لكلمة جمال .

لم تكن للحلاج نفسا خاصة به بالمعنى النمطي الذي نعرفه عن أنفسنا ،
فهو لم ير نفسه بسبب تخطيه لها ، وذهب نحو العالم ولم يعد اليها أبدا , فلم يجد أية أهمية لوصفها أو عرضها للآخرين إلا باعتبارها حجابا أو عقبة لابد من نفيها أو تذويبها في الذات الإلهية ، كان العالم الماورائي هو هدفه الأسمى والحاضر دائما مقابل نفيه المستمر لذاته المندرسة والآيلة إلى الفناء . فما يشدني في خطاب الحلاج هو مفهومه عن موته وموت الآخرين  فالموت لم يكن بالنسبة له رعبا وأحجية كما يراه السواد الأعظم من البشر، كان بالنسبة له نهاية رحلة وبداية حياة جديدة ( الموت محطة) الموت خاتمة سعيدة !

" إن في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي
وحياتي في مماتي "

الحلاج ، الأعمال الكاملة ، الصفحة 294 ، منشورات رياض الريس ، بيروت لبنان ، 2002


لقد استقبل الحلاج حياته كهبة إلهية مقدسة ونعمة يحضى بها المخلوق ويسعد. واستقبل موته بنفس الصفة: هبة ونعمة تنتهي عندها الحياة الدنيا لترتقي إلى حياة عليا يلاقي بها المخلوق خالقه ويفنى فيه.
لقد علمنا أن نعيش حياتنا كما سنعيش مماتنا، وان نعيش حياتنا يعني أن نفهم أيضا مماتنا الذي سيضفي على هذه الحياة معناها.
إذن هو  خطاب يتجاوز صيغته الصوفية العرفانية ليصبح في نهاية المطاف مشروعا ثقافيا عربيا محليا يقدم لهذه البيئة المتميزة وجها حضاريا إبداعيا يستحق التبني ، بشرط أن يتم تلقيه من هذا الجانب منزها من التعصب والاطلاقية الفكرية والمذهبية .

" بيان بيان الحق أنت بيانه   وكل بيان أنت منه لسانه "
الحلاج ، الأعمال الكاملة ، قاسم محمد عباس ، الصفحة 333 ، منشورات رياض الريس ، بيروت لبنان ، 2002


" قد قام بعضي ببعض بعضي   وهام كلي بكل كلي "

" رأيت ربي بعين قلب     فقلت من أنت قال أنت
فليس للاين منك أين     وليس أين بحيث أنت
وليس للوهم منك وهم     فيعلم الوهم أين أنت
أنت الذي حزت كل أين     بنحو لا أين فأين أنت "
ديوان الحلاج

هذا الزخرف الكلامي القائم على مبدأ التكرار والإيقاع هو الذي استعرته من تجربة الحلاج الشعرية في أعمالي الفنية ، فقد حاولت أن اشتغل على هذه القيم التقنية محيلا إياها إلى مفردات بصرية تتوافر على هذا النسق ألزخرفي القائم على مبدأ التماثل والتقابل ، التكرار والإيقاع .

نعم ، حاولت أن انسج سجادتي على طريقة الحلاج ! (محمول واضح ، محمول غامض يحتاج إلى تأويل، محمول مبهم لا تأويل له ، إيقاع وحدات متكررة من ناحية الحركة والنغمة المرئية وشكل الحروف ) لكنني جهدت إلى أن لا تظهر صوري على سجادتي مشابهة لصور الحلاج.
فصور هذا المعرض ليست توضيحا أو ترجمة لرؤية الحلاج التي أتت مركزة في كتاب الطواسين ، بل هي إيماءات ببعض أجواء ومحمولات كتابه كما شعرت بها شخصيا ووجدت في أعمالي فضاء لها يظهر هنا وهناك . فالذوق الصوفي على سبيل المثال  الذي هو نتيج أذكار وأوراد ورياضات روحية وخلوات  لا يخضع لمنطق العلم بل لعلم الأحوال وهو وليد الفهم الحدسي بالدرجة الأولى وما ينتج عنه من نص صوفي فريد محتوى وشكلا وجد لنفسه مساحة في هذه الأعمال أيضا.

للاطلاع على لوحات المعرض في الرابط التالي :

http://www.meemartgallery.com/exhibitions_details.php?id=37